محمد بن جرير الطبري
13
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تنزيله ، واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه ، وذلك هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا . فإن قال قائل : ومن القرآن شيء وهو أحسن من شيء ؟ قيل له : القرآن كله حسن ، وليس معنى ذلك ما توهمت ، وإنما معناه : واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر ، والمثل ، والقصص ، والجدل ، والوعد ، والوعيد أحسنه أن تأتمروا لأمره ، وتنتهوا عما نهى عنه ، لأن النهي مما أنزل في الكتاب ، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه ، فذلك وجهه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يقول : ما أمرتم به في الكتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً يقول : من قبل أن يأتيكم عذاب الله فجأة وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ يقول : وأنتم لا تعلمون به حتى يغشاكم فجأة . القول في تأويل قوله تعالى : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى . . . فِي جَنْبِ . . . الْمُتَّقِينَ يقول تعالى ذكره : وأنيبوا إلى ربكم ، وأسلموا له أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ بمعنى لئلا تقول نفس يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ، وهو نظير قوله : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ بمعنى : أن لا تميد بكم ، فأن ، إذ كان ذلك معناه ، في موضع نصب . وقوله يا حَسْرَتى يعني أن تقول : يا ندما ، كما : محمد بن الحسين ، قال : ثني أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : يا حَسْرَتى قال : الندامة . والألف في قوله يا حَسْرَتى هي كناية المتكلم ، وإنما أريد : يا حسرتي ؛ ولكن العرب تحول الياء في كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفا ، فتقول : يا ويلتا ، ويا ندما ، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء ، وربما قيل : يا حسرة على العباد ، كما قيل : يا لهف ، ويا لهفا عليه ، وذكر الفراء أن أبا ثروان أنشده : تزورونها ولا أزور نساءكم * ألهف لأولاد الإماء الحواطب خفضا كما يخفض في النداء إذا أضافه المتكلم إلى نفسه ، وربما أدخلوا الهاء بعد هذه الألف ، فيخفضونها أحيانا ، ويرفعونها أحيانا ؛ وذكر الفراء أن بعض بني أسد أنشد : يا رب يا رباه إياك أسل * عفراء يا رباه من قبل الأجل خفضا ، قال : والخفض أكثر في كلامهم ، إلا في قولهم : يا هناه ، ويا هنتاه ، فإن الرفع فيها أكثر من الخفض ، لأنه كثير في الكلام ، حتى صار كأنه حرف واحد . وقوله : عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ يقول على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به ، وقصرت في الدنيا في طاعة الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال . ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ يقول : في أمر الله . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال . ثنا ورقاء ، جميعا عن أبن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ قال : في أمر الله . حدثنا محمد ، قال . ثنا أحمد قال ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ قال : تركت من أمر الله . وقوله : وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ يقول : وإن كنت لمن المستهزئين بأمر الله وكتابه ورسوله والمؤمنين به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله :